بنت محمد
10-18-2007, 12:52 PM
أحك لي قصة
جوبند مالهي
أجبرني موهان على أن أذهب وأقضي الليلة معه، وقد راقت لي الفكرة فوافقتُ على الفور، وعلاقتي به قديمة، حيث كنا سوية في البيت والمدرسة، وفي كل مكان، فقد كنا أصدقاء وبنفس العمر، وقد نشأنا سوية وبقينا معاً حتى أنهينا الدراسة الثانوية، بعد ذلك التحقت بالجامعة في كراتشي. أما هو، فقد كان معسراً، لذلك التحق بوظيفة حكومية بصفة كاتب في مدينتنا ومنذ ذلك التاريخ لم أعد أراه.
والآن التقينا بالصدفة بعد سنوات، ليس في السند ولكن في أحمد آباد، وقد حصلت أمور كثيرة ولا شك طوال هذه الفترة، فقد أصبح موهان رئيس كتبة، أما أنا فقد انغمست في حقل الأدب والحياة الاجتماعية، التي لا ترعف الاستقرار، وتجعلني أتحرك كثيراً، وحينما جلسنا في الحافلة، سألني موهان إن كنت تزوجت؟ ابتسمت قائلاً، لا أشعر بأني مستقر بعد، ولو كنت قد تزوجت فلم أكن قد أعطيت زوجتي الاهتمام الكافي والرفقة التي تتوقعها. بدت الحيرة على وجه صاحبي، وقبل أن يعقب بشيء، قلت أعتقد أنك تزوجت؟ أجاب، كما أني أب أيضاً، وأن ابنتي تبلغ الخامسة من عمرها، وكنت سأرسل لك دعوة لحضور الزواج، ولكن كما تعلم فقد كنا في طريقنا للخروج من السند، بسبب التقسيم، وكان من الصعب على المرء أن يتصل بأقربائه، ثم أضاف بجدية، وعلى أية حال لم تكن لتأتي.
- ما الذي جعلك متأكداً من ذلك؟
- يا عزيزي ليس لديك وقت لتفعل أي شيء سوى الحديث والكتابة.
حاولت أن أبتسم، وحالما خطونا إلى شرفة منزله، جاءت ابنته الصغيرة راكضة وطوقت رجلي والدها بذراعيها الصغيرتين قائلة، والدي هل جلبت البقر من باكستان؟ استدار موهان نحوي مبتسماً وهو يقول، لق\ جلب جيراننا بقرة يوم أمس، لذا يجب أن يكون لديها هي أيضاً مثلها. أخبرتها أننا تركنا البقر في الباكستان، وأصرت على أن أعود وأجلبها، وضحكت.
- والدي هل جلبت البقر؟
انحنى موهان على رؤوس أصابعه، ووضع يديها الصغيرتين حول عنقه وأجابها:
- سأجلبها غداً يا حبيبتي، والآن سلمي على عمك.
استدارت الفتاة نحوي وشبكت يديها وحيتني.
وامتدت يداي نحوها وحملتها وسألتها عن اسمها وأنا أبتسم.
- ريخا وأمي تسميني ريخاراتي.
وضممتها إلى صدري وقبلتها.
وكان موهان واقفا.
- يا صديقي الزواج يعني الارتباط بلا شك، ولكن هناك تعويضات.
ولم أكن قادراً على الرد، وأنزلت الفتاة، فراحت تركض إلى الداخل وعيناي تتبعانها، ولا شك أن موهان قد أدرك الحالة الذهنية، لأنه أشار قائلاً: كان والدي معتاداً على أن يقول: حينما تكون لدينا أسنان لا نجد الحلوي، وحينما تتوفر الحلوي تكون أسناننا قد راحت. كان بصري لا يزال مثبتاً إلى حيث راحت ريخا، وكان في الشرفة سرير خفيف، وقبل أن أتوقف لأجلس عليه جاءت امرأة شابة، وجهها مغطى بنقاب، جاءت وهي تحمل شرشفاً ومخدة، وراح موهان يعترض على وضعها النقاب أمام صديق قديم هو بمثابة الأخ له، غير أن زوجته لم تقل شيئاً، كما أنها لم تسفر عن وجهها، وبصمت فرشت الشرشف، وبمساعدة موهان وضعت المخدة على أحد طرفي السرير، ثم انسحبت إلى الداخل. أما ريخا التي جاءت وحدها، فقد بقيت تنظر إلي طوال الوقت. ومن وجه الطفلة استطعت أن أحكم بأن أمها لابد أن تكون جميلة فيدا الأم وقدماها تبين بأنها بيضاء اللون.
جلست على حافة السرير، وذهب موهان إلى الداخل لتغيير ملابسه، وجاءت ريخا نحوي بخطوات مترددة قائلة، هل أريك عروستي؟
أجبتها بسعادة بالغة: نعم أريني إياها، اذهبي وواجلبيها.
جاء موهان وهو يحمل طبقاً من الحلوى وقدمه إلي، واستغرقت ريخا بعض الوقت لتجلب العروس، وكان هناك همس بين الطفلة وأمها. وحينما خرجت، جاءت مباشرة نحوي وهي تؤرجح العروس من يد ليد. أخذت العروس من يدها وقلت لها، يا إلهي ما أجملها!
سألتني ببراءة: أهي أجمل مني.
سررت لسؤالها وأجبتها: لا إنك أجمل منها بكثير، وقدمت لها قطعة من الحلوى لم تأخذها، قال لها موهان، خذيها يا حبيبتي إنه عمك، أخذتها من يدي وسألتني هل ستقص على قصة يا عماه؟
أمسكت بيدها وجذبتها نحوي وقلت لها: إني لا أعرف أي قصة.
- ولكن أمي تقول أنك تعرف الكثير.
- وكيف لأمك أن تعرف ذلك؟
أجاب موهان أن زوجتي تقرأ كثيراً وقد قرأت معظم قصصك.
ابتسمت وعلقت: ماذا؟ ومع ذلك تغطي وجهها أمامي؟
- تقول أنها لن تغطي وجهها في المرات القادمة، كما أنها تعتزم مناقشة بعض من قصصك معك.
- ولم ليس اليوم؟
قبل أن يجيب موهان أمسكت ريخا بيدي وسألتني ثانية، إحك لي قصة يا عماه.
- ليس الآن يا حبيبتي، سأحكي لك واحدة عند النوم.
- عند النوم ستحكي لي أمي واحدة، أما أنت فاحك لي الآن.
- الليلة سأقص عليك قصة بدلاً من قصة أمك.
- إذن ستدعني أنام بقربك؟
سررت.
- كل ليلة تنام بجانب أمها لتسمع قصة، قال موهان ذلك.
عبثت بشعرها وقلت لها: إن ذلك يسرني يا حبيبتي.
وطوال المساء بقيت ريخا تذكرني بوعدي، وعند العشاء ظهرت الأم ثانية ووجهها مغطى أيضا. شعرت بالفضول لرؤية هذا الوجه الجميل، ليس لامرأة متنقبة، ولكن كقارئة لقصصي. أردت أن أتحدث معها غير أني لم أمتلك الشجاعة الكافية. انتهى العشاء وتساءل موهان إن كنت أرغب في بعض البان؟ أجبته، لاشكراً، عقب قائلاً، لقد اعتدت على استعمال البان، وبدونه لا يمكنني أن أهضم، هيا لنتمش قليلاً ونشتري بعض البان في طريقنا. أمسكت ريخا بيد والدها وقالت سأذهب معك يا والدي، قلت: اذهبا أنتما فلا رغبة لي في المشي، وسأبقى هاهنا. قالت ريخا: هل نجلب لك بعض البان يا عماه؟ أجبتها: حسناً يا عزيزتي، وجلست على حافة السرير.
وبعد أن خرجا تملكتني رغبة شديدة في أن أرى وجه المرأة التي تحب قراءة قصصي وأن أتحدث معها، رغبة قوية حيث وددت أن أقول لها بألا تعاملني كغريب، غير أني غيرت رأيي، إذ ربما لن يكون من المناسب أن أفعل ذلك وزوجها غائب عن الدار، وبقيت أفكر في الطريقة المناسبة حينما سمعت صوت ريخا ثانية وهي تقول: هل تفضل البان الحلو أم الاعتيادي ياعماه؟ ونظرت إليها وهي مقبلة نحوي تركض وأنفاسها متقطعة. أجبتها: الحلو يا حبيبتي. وعادت تركض ثانية، وعادت أم ريخا وهي تحمل كأس حليب بيدها ووجهها لا يزال مغطى، قلت لها: إن لا أشرب الحليب، استدارت بهدوء وعادت من حيث أتت. قلت لها وأنا أبتسم: يا زوجة أخي أخبريني أياً من قصصي أعجبتك أكثر؟
عندما قلت لها يا زوجة أخي توقفت، وحينما سمعت السؤال مشت بخطوات سريعة دون أن تجيب. حان موعد النوم، وجاءت ريخا إلى سريري، وأفسحت لها مجالا.
قالت، ابدأ الفصة يا عماه.
- إذن ستنامين بجانبي؟
- نعم لقد حصلت على أذن من أمي.
اضطجعت على ظهري ووضعت مرفقها على صدري ووجهها بين يديها الصغيرتين، وثبتت عينيها علي.
- كان يا ما كان، كان هناك راجا .. وسكتُ.
- استمر.
- وكان معتاداً على أكل البلاذر الأميركي.
- أوه لا، لقد سبق وأن سمعتها عدة مرات.
فكرت قليلا وبدأت بأخرى.
- كان يا ما كان، كان هناك ملك دون أطفال.
- أعرفها فقد سمعتها عدة مرات من أمي.
رحت أفكر ثانية.
- هيا يا عماه ابدأ الحكاية.
تنحنحت وبدأت أقص، كان هناك ملك لديه سبع بنات.
- أعرفها أيضا.
- ولكني لا أعرف غير هذه القصص يا عزيزتي، قلت ذلك وأنا أبتسم.
- ولكن أمي تقول أنك تكتب قصصاً من عندك.
- أفعل ذلك ولكن ليس حكايات عن الملوك والملكات، وأنا متأكد أنك تريدين أن تسمعي عنهم.
- هل تريدني أن أقص عليك حكاية؟
- قلت لها، أوه إن ذلك سيكون ممتعا.
- بدأت، كانت هناك فتاة تعيش في قرية في الباكستان، والباكستان يا عماه بعيدة جداً، أليس كذلك؟
- نعم بعيدة جدا، ولكن استمري.
- وفي أحد الأيام جاء صبي، كانت جدته تعيش في تلك القرية، وقد اعتادت الفتاة والصبي أن يلعبا سوية، وكانا يلعبان بالعرائس لعبة العريس والعروس، ولكن ما هي لعبة العريس والعروس يا عماه؟
- ألم تسألي أمك؟
- تقول أني يجب أن أسألك.
- حسناً، سأخبرك، مثلما تجعلين العرائس يتزوجون أثناء اللعب، فإن الأولاد والبنات يلعبون لعبة الزواج.
- يعني أن يتحول الأولاد والبنات إلى عرائس؟ وماذا يحصل بعد ذلك؟
- لا شيء إنها مجرد لعبة، والآن أكملي القصة.
انتظرت هنيهة لتنتقي الكلمات، بعد ذلك استمرت قائلة، وفي اللعبة فإن الأولاد يصبحون عرساناً والبنات عرائس، وقد أخبرها أنه سيتزوجها حينما يكبران، ماذا يعني الزواج يا عماه؟
- لم لا تسألي أمك؟
- أمي لن تخبرني.
أكملي القصة وسأخبرك فيما بعد.
- وكلما يأتي الولد إلى القرية يخبرها نفس الشيء، وتوقفتْ.
- ما الذي حدث فيما بعد؟ تساءلت لا إراديا.
- التحق بالكلية، ماهي الكلية يا عماه؟
قلت لها بنفاد صبر، أكملي القصة.
- نسي الولد تلك الفتاة.
- وبعد؟
- انتظرته البنت آملة، ما هو الأمل ياعماه؟
بدأ وجهي ينضح عرقاً، مسحته بالمنديل وسألتها: وماذا حدث بعد ذلك؟
- لم يعد الصبي ثانية، وتزوجت الفتاة من شخص آخر.
شعرت بالإختناق ولم أنبس بحرف.
- انتهت القصة يا عماه، أعطني آنة، قالتها بفرح.
حاولت أن أبتسم وقلت: إنها قصة محزنة.
- لقد قلت نفس الشيء لأمي، إنها قصة محزنة لأن الولد والبنت لا يتزوجان في النهاية، كما في بقية الحكايات وقد سألت أمي عن الولد وعما حصل له.
وسألتها وأنا نصف مصعوق، وماذا قالت لك ؟
- أن الولد بدأ يؤلف كتبا.
نهضت من السرير مثل رجل لسعه عقرب، وكل جزء من جسمه يشتعل ألما.
في هذه الأثناء جاء موهان ولاحظ ما أنا فيه من هياج، فتساءل إن كانت ريخا قد أزعجتني، مسحت العرق عن وجهي وسألته، هل توجد حافلة تذهب إلى المدينة في هذه الساعة.؟ شعر موهان بالارتباك ونظر إلى ساعته وقال، إنها العاشرة والنصف، والخدمات قد توقفت الآن، ولكن لماذا؟
قالها باستغراب.
إني آسف يا موهان لقد تذكرت تواً، إذ علي أن ألتقي شخصاً ما بصورة عاجلة، هل تتوفر سيارات أجرة؟
بانت خيبة الأمل على وجه موهان وقال وهو يذكرني، لقد وعدت بأن تمضي الليلة هنا.
وقلت له كاذباً، علي أن أذهب لألتقي شخصاً مسافراً إلى بارودا غداً صباحاً، ونهضت عن السرير، قالت ريخا والدموع في عينيها، هل ستذهب يا عماه؟ علق موهان قائلاً وهو ينظر إلي بحزن، من سوء الحظ أن يكون المرء كاتبا.
قلت لريخا، هل تحبين أن تأتي معي؟
- إذا جاءت أمي معي.
وكانت تلك الضربة القاضية.
قال موهان، سأذهب لأغير ملابسي فلربما نجد سيارة أجرة في الطريق، وذهب إلى الداخل.
أخذت ريخا بين يدي وقلت لها، أخبري أمك لو أن ذلك الولد تزوج تلك الفتاة لكانت غير سعيدة، أما الآن فهي سعيدة جداً، وجاء صوت نسائي من خلف الباب وكأنه يحادث نفسه:
- إن مقاييس النساء عن السعادة تختلف عن مثلاتها عند الرجال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب: قصص قصيرة من السند.
ترجمة : رعد عبد الجليل جواد
الناشر: دار الحوار للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى: 1991
منقوله لكم.
جوبند مالهي
أجبرني موهان على أن أذهب وأقضي الليلة معه، وقد راقت لي الفكرة فوافقتُ على الفور، وعلاقتي به قديمة، حيث كنا سوية في البيت والمدرسة، وفي كل مكان، فقد كنا أصدقاء وبنفس العمر، وقد نشأنا سوية وبقينا معاً حتى أنهينا الدراسة الثانوية، بعد ذلك التحقت بالجامعة في كراتشي. أما هو، فقد كان معسراً، لذلك التحق بوظيفة حكومية بصفة كاتب في مدينتنا ومنذ ذلك التاريخ لم أعد أراه.
والآن التقينا بالصدفة بعد سنوات، ليس في السند ولكن في أحمد آباد، وقد حصلت أمور كثيرة ولا شك طوال هذه الفترة، فقد أصبح موهان رئيس كتبة، أما أنا فقد انغمست في حقل الأدب والحياة الاجتماعية، التي لا ترعف الاستقرار، وتجعلني أتحرك كثيراً، وحينما جلسنا في الحافلة، سألني موهان إن كنت تزوجت؟ ابتسمت قائلاً، لا أشعر بأني مستقر بعد، ولو كنت قد تزوجت فلم أكن قد أعطيت زوجتي الاهتمام الكافي والرفقة التي تتوقعها. بدت الحيرة على وجه صاحبي، وقبل أن يعقب بشيء، قلت أعتقد أنك تزوجت؟ أجاب، كما أني أب أيضاً، وأن ابنتي تبلغ الخامسة من عمرها، وكنت سأرسل لك دعوة لحضور الزواج، ولكن كما تعلم فقد كنا في طريقنا للخروج من السند، بسبب التقسيم، وكان من الصعب على المرء أن يتصل بأقربائه، ثم أضاف بجدية، وعلى أية حال لم تكن لتأتي.
- ما الذي جعلك متأكداً من ذلك؟
- يا عزيزي ليس لديك وقت لتفعل أي شيء سوى الحديث والكتابة.
حاولت أن أبتسم، وحالما خطونا إلى شرفة منزله، جاءت ابنته الصغيرة راكضة وطوقت رجلي والدها بذراعيها الصغيرتين قائلة، والدي هل جلبت البقر من باكستان؟ استدار موهان نحوي مبتسماً وهو يقول، لق\ جلب جيراننا بقرة يوم أمس، لذا يجب أن يكون لديها هي أيضاً مثلها. أخبرتها أننا تركنا البقر في الباكستان، وأصرت على أن أعود وأجلبها، وضحكت.
- والدي هل جلبت البقر؟
انحنى موهان على رؤوس أصابعه، ووضع يديها الصغيرتين حول عنقه وأجابها:
- سأجلبها غداً يا حبيبتي، والآن سلمي على عمك.
استدارت الفتاة نحوي وشبكت يديها وحيتني.
وامتدت يداي نحوها وحملتها وسألتها عن اسمها وأنا أبتسم.
- ريخا وأمي تسميني ريخاراتي.
وضممتها إلى صدري وقبلتها.
وكان موهان واقفا.
- يا صديقي الزواج يعني الارتباط بلا شك، ولكن هناك تعويضات.
ولم أكن قادراً على الرد، وأنزلت الفتاة، فراحت تركض إلى الداخل وعيناي تتبعانها، ولا شك أن موهان قد أدرك الحالة الذهنية، لأنه أشار قائلاً: كان والدي معتاداً على أن يقول: حينما تكون لدينا أسنان لا نجد الحلوي، وحينما تتوفر الحلوي تكون أسناننا قد راحت. كان بصري لا يزال مثبتاً إلى حيث راحت ريخا، وكان في الشرفة سرير خفيف، وقبل أن أتوقف لأجلس عليه جاءت امرأة شابة، وجهها مغطى بنقاب، جاءت وهي تحمل شرشفاً ومخدة، وراح موهان يعترض على وضعها النقاب أمام صديق قديم هو بمثابة الأخ له، غير أن زوجته لم تقل شيئاً، كما أنها لم تسفر عن وجهها، وبصمت فرشت الشرشف، وبمساعدة موهان وضعت المخدة على أحد طرفي السرير، ثم انسحبت إلى الداخل. أما ريخا التي جاءت وحدها، فقد بقيت تنظر إلي طوال الوقت. ومن وجه الطفلة استطعت أن أحكم بأن أمها لابد أن تكون جميلة فيدا الأم وقدماها تبين بأنها بيضاء اللون.
جلست على حافة السرير، وذهب موهان إلى الداخل لتغيير ملابسه، وجاءت ريخا نحوي بخطوات مترددة قائلة، هل أريك عروستي؟
أجبتها بسعادة بالغة: نعم أريني إياها، اذهبي وواجلبيها.
جاء موهان وهو يحمل طبقاً من الحلوى وقدمه إلي، واستغرقت ريخا بعض الوقت لتجلب العروس، وكان هناك همس بين الطفلة وأمها. وحينما خرجت، جاءت مباشرة نحوي وهي تؤرجح العروس من يد ليد. أخذت العروس من يدها وقلت لها، يا إلهي ما أجملها!
سألتني ببراءة: أهي أجمل مني.
سررت لسؤالها وأجبتها: لا إنك أجمل منها بكثير، وقدمت لها قطعة من الحلوى لم تأخذها، قال لها موهان، خذيها يا حبيبتي إنه عمك، أخذتها من يدي وسألتني هل ستقص على قصة يا عماه؟
أمسكت بيدها وجذبتها نحوي وقلت لها: إني لا أعرف أي قصة.
- ولكن أمي تقول أنك تعرف الكثير.
- وكيف لأمك أن تعرف ذلك؟
أجاب موهان أن زوجتي تقرأ كثيراً وقد قرأت معظم قصصك.
ابتسمت وعلقت: ماذا؟ ومع ذلك تغطي وجهها أمامي؟
- تقول أنها لن تغطي وجهها في المرات القادمة، كما أنها تعتزم مناقشة بعض من قصصك معك.
- ولم ليس اليوم؟
قبل أن يجيب موهان أمسكت ريخا بيدي وسألتني ثانية، إحك لي قصة يا عماه.
- ليس الآن يا حبيبتي، سأحكي لك واحدة عند النوم.
- عند النوم ستحكي لي أمي واحدة، أما أنت فاحك لي الآن.
- الليلة سأقص عليك قصة بدلاً من قصة أمك.
- إذن ستدعني أنام بقربك؟
سررت.
- كل ليلة تنام بجانب أمها لتسمع قصة، قال موهان ذلك.
عبثت بشعرها وقلت لها: إن ذلك يسرني يا حبيبتي.
وطوال المساء بقيت ريخا تذكرني بوعدي، وعند العشاء ظهرت الأم ثانية ووجهها مغطى أيضا. شعرت بالفضول لرؤية هذا الوجه الجميل، ليس لامرأة متنقبة، ولكن كقارئة لقصصي. أردت أن أتحدث معها غير أني لم أمتلك الشجاعة الكافية. انتهى العشاء وتساءل موهان إن كنت أرغب في بعض البان؟ أجبته، لاشكراً، عقب قائلاً، لقد اعتدت على استعمال البان، وبدونه لا يمكنني أن أهضم، هيا لنتمش قليلاً ونشتري بعض البان في طريقنا. أمسكت ريخا بيد والدها وقالت سأذهب معك يا والدي، قلت: اذهبا أنتما فلا رغبة لي في المشي، وسأبقى هاهنا. قالت ريخا: هل نجلب لك بعض البان يا عماه؟ أجبتها: حسناً يا عزيزتي، وجلست على حافة السرير.
وبعد أن خرجا تملكتني رغبة شديدة في أن أرى وجه المرأة التي تحب قراءة قصصي وأن أتحدث معها، رغبة قوية حيث وددت أن أقول لها بألا تعاملني كغريب، غير أني غيرت رأيي، إذ ربما لن يكون من المناسب أن أفعل ذلك وزوجها غائب عن الدار، وبقيت أفكر في الطريقة المناسبة حينما سمعت صوت ريخا ثانية وهي تقول: هل تفضل البان الحلو أم الاعتيادي ياعماه؟ ونظرت إليها وهي مقبلة نحوي تركض وأنفاسها متقطعة. أجبتها: الحلو يا حبيبتي. وعادت تركض ثانية، وعادت أم ريخا وهي تحمل كأس حليب بيدها ووجهها لا يزال مغطى، قلت لها: إن لا أشرب الحليب، استدارت بهدوء وعادت من حيث أتت. قلت لها وأنا أبتسم: يا زوجة أخي أخبريني أياً من قصصي أعجبتك أكثر؟
عندما قلت لها يا زوجة أخي توقفت، وحينما سمعت السؤال مشت بخطوات سريعة دون أن تجيب. حان موعد النوم، وجاءت ريخا إلى سريري، وأفسحت لها مجالا.
قالت، ابدأ الفصة يا عماه.
- إذن ستنامين بجانبي؟
- نعم لقد حصلت على أذن من أمي.
اضطجعت على ظهري ووضعت مرفقها على صدري ووجهها بين يديها الصغيرتين، وثبتت عينيها علي.
- كان يا ما كان، كان هناك راجا .. وسكتُ.
- استمر.
- وكان معتاداً على أكل البلاذر الأميركي.
- أوه لا، لقد سبق وأن سمعتها عدة مرات.
فكرت قليلا وبدأت بأخرى.
- كان يا ما كان، كان هناك ملك دون أطفال.
- أعرفها فقد سمعتها عدة مرات من أمي.
رحت أفكر ثانية.
- هيا يا عماه ابدأ الحكاية.
تنحنحت وبدأت أقص، كان هناك ملك لديه سبع بنات.
- أعرفها أيضا.
- ولكني لا أعرف غير هذه القصص يا عزيزتي، قلت ذلك وأنا أبتسم.
- ولكن أمي تقول أنك تكتب قصصاً من عندك.
- أفعل ذلك ولكن ليس حكايات عن الملوك والملكات، وأنا متأكد أنك تريدين أن تسمعي عنهم.
- هل تريدني أن أقص عليك حكاية؟
- قلت لها، أوه إن ذلك سيكون ممتعا.
- بدأت، كانت هناك فتاة تعيش في قرية في الباكستان، والباكستان يا عماه بعيدة جداً، أليس كذلك؟
- نعم بعيدة جدا، ولكن استمري.
- وفي أحد الأيام جاء صبي، كانت جدته تعيش في تلك القرية، وقد اعتادت الفتاة والصبي أن يلعبا سوية، وكانا يلعبان بالعرائس لعبة العريس والعروس، ولكن ما هي لعبة العريس والعروس يا عماه؟
- ألم تسألي أمك؟
- تقول أني يجب أن أسألك.
- حسناً، سأخبرك، مثلما تجعلين العرائس يتزوجون أثناء اللعب، فإن الأولاد والبنات يلعبون لعبة الزواج.
- يعني أن يتحول الأولاد والبنات إلى عرائس؟ وماذا يحصل بعد ذلك؟
- لا شيء إنها مجرد لعبة، والآن أكملي القصة.
انتظرت هنيهة لتنتقي الكلمات، بعد ذلك استمرت قائلة، وفي اللعبة فإن الأولاد يصبحون عرساناً والبنات عرائس، وقد أخبرها أنه سيتزوجها حينما يكبران، ماذا يعني الزواج يا عماه؟
- لم لا تسألي أمك؟
- أمي لن تخبرني.
أكملي القصة وسأخبرك فيما بعد.
- وكلما يأتي الولد إلى القرية يخبرها نفس الشيء، وتوقفتْ.
- ما الذي حدث فيما بعد؟ تساءلت لا إراديا.
- التحق بالكلية، ماهي الكلية يا عماه؟
قلت لها بنفاد صبر، أكملي القصة.
- نسي الولد تلك الفتاة.
- وبعد؟
- انتظرته البنت آملة، ما هو الأمل ياعماه؟
بدأ وجهي ينضح عرقاً، مسحته بالمنديل وسألتها: وماذا حدث بعد ذلك؟
- لم يعد الصبي ثانية، وتزوجت الفتاة من شخص آخر.
شعرت بالإختناق ولم أنبس بحرف.
- انتهت القصة يا عماه، أعطني آنة، قالتها بفرح.
حاولت أن أبتسم وقلت: إنها قصة محزنة.
- لقد قلت نفس الشيء لأمي، إنها قصة محزنة لأن الولد والبنت لا يتزوجان في النهاية، كما في بقية الحكايات وقد سألت أمي عن الولد وعما حصل له.
وسألتها وأنا نصف مصعوق، وماذا قالت لك ؟
- أن الولد بدأ يؤلف كتبا.
نهضت من السرير مثل رجل لسعه عقرب، وكل جزء من جسمه يشتعل ألما.
في هذه الأثناء جاء موهان ولاحظ ما أنا فيه من هياج، فتساءل إن كانت ريخا قد أزعجتني، مسحت العرق عن وجهي وسألته، هل توجد حافلة تذهب إلى المدينة في هذه الساعة.؟ شعر موهان بالارتباك ونظر إلى ساعته وقال، إنها العاشرة والنصف، والخدمات قد توقفت الآن، ولكن لماذا؟
قالها باستغراب.
إني آسف يا موهان لقد تذكرت تواً، إذ علي أن ألتقي شخصاً ما بصورة عاجلة، هل تتوفر سيارات أجرة؟
بانت خيبة الأمل على وجه موهان وقال وهو يذكرني، لقد وعدت بأن تمضي الليلة هنا.
وقلت له كاذباً، علي أن أذهب لألتقي شخصاً مسافراً إلى بارودا غداً صباحاً، ونهضت عن السرير، قالت ريخا والدموع في عينيها، هل ستذهب يا عماه؟ علق موهان قائلاً وهو ينظر إلي بحزن، من سوء الحظ أن يكون المرء كاتبا.
قلت لريخا، هل تحبين أن تأتي معي؟
- إذا جاءت أمي معي.
وكانت تلك الضربة القاضية.
قال موهان، سأذهب لأغير ملابسي فلربما نجد سيارة أجرة في الطريق، وذهب إلى الداخل.
أخذت ريخا بين يدي وقلت لها، أخبري أمك لو أن ذلك الولد تزوج تلك الفتاة لكانت غير سعيدة، أما الآن فهي سعيدة جداً، وجاء صوت نسائي من خلف الباب وكأنه يحادث نفسه:
- إن مقاييس النساء عن السعادة تختلف عن مثلاتها عند الرجال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب: قصص قصيرة من السند.
ترجمة : رعد عبد الجليل جواد
الناشر: دار الحوار للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى: 1991
منقوله لكم.